” كمساهمة متواضعة وموجزة بهدف التوضيح لمن لا يعرفون الكثير عن الايام الاولى من الاستقلال الوطني، حاولت أن اوضح من خلال مقدمة هذ المقال، كيف كان مخاض نشأة الدولة عسيرا من اليوم الاول . 

كان مخاضُ نشأة الدولة الموريتانية، عسيراً منذ اليوم الأول لإعلان استقلالها، فلربما هي الدولة الوحيدة التي نشأت في بيئة “بدوية” لا وجود فيها لأبسط مقومات الدولة الحديثة. وكان من أكبر المعوقات أمام جيل التأسيس، هو توزيع عدد السكان القليل جدا مقارنة بمساحة البلد، فعدد السكان حينها كان في حدود مليون ونصف المليون نسمة ، موزعين على مليون وثلاثين ألف كيلومتر مربع، لا طرق معبدة ولا وسائل نقل واتصال من أي نوع….الخ.

ظلت عملية تنسيق العمل التأسيسي للدولة، معقدة بفعل ترامي أطراف البلد، وخصوصية المجتمع المبنية على القبلية والعادات والتقاليد والتي تختلف هي الأخرى  من منطقة إلى أخرى، وفي جو كهذا يتحكم فيه التخلف والفقر والتقاليد و دور الأمراء وشيوخ القبائل والتنوع العرقي و الفئوي ، نشأت الدولة الحديثة أو بدأت في طور النشأة على الأصح.

و في هذه الظروف المتسارعة  استلم الرئيس الشاب الاستاذ المختار ولد داداه ، رحمه الله مقاليد السلطة وهو تحت تأثير نشوة استقلال بلاده وكان من المفارقات أن المستعمر ترك في جميع مستعمراته بنية تحتية متكاملة في كافة المجالات، تجعل حكامها الجدد يقومون فقط باستلام العمل ومواصلة البناء، باستثناء موريتانيا٫ رغم أنها الوحيدة التي سيستفيد المستعمر لاحقا من ثرواتها طوال عشرات السنين..!

وفي خضم هذه التجاذبات الخطيرة و في ظروف إقليمية خاصة٫ من بينها أطماع معروفة تهدد الاستقلال الوليد، كان على الرئيس الشاب أن لا يتأخر في تأسيس الدولة بتركيبتها التقليدية والغير متماشية مع متطلبات الدولة الحديثة  ، لأن الموقف لا يتحمّل التأخير.

كان الرئيس الشاب شجاعا وعلى مستوى عالٍ من الثقافة والحنكة السياسية ما يجعله يدرك جيدا أهمية الموقف الدولي من استقلال بلاده وما يترتب على ذلك من العمل على المستوى الدولي وخاصة  الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

وعلى هذا الأساس تم تحديد الأولويات انطلاقا من التعريف بكيان جديد أسمه: الجمهورية الإسلامية الموريتانية. 

ومع أن تأسيس الدولة جاء في ظروف استعجالية اعتمدت بالأساس على مراعاة خصوصية المجتمع حفاظا على تماسكه ووحدته الوطنية انطلاقا من – حدودها الاربعة – جاءت إكراهات التأسيس بالاختلالات الكبرى التي مازلنا نعاني من تداعياتها حتى اليوم…!

يجدر بنا أن نكون واقعيين وصريحين مع انفسنا ومع بلدنا، و يجب أن نعترف أن حجر أساس الدولة لم يوضع أصلا على معايير وأسس سليمة لبناء الدولة ، بل تم وضعه على أساس خصوصيات مجتمع محافظ ومتخلف وغير مهيئ للتعامل مع متطلبات الدولة الحديثة ، وما يترتب على ذلك من مفاهيم .

و بعد مرور عقد من تجربة الدولة، كان من البديهي أن تظهر بعض إفرازات تلك الاختلالات البنيوية لتثير نباهة بعض الطلاب والنخبة المتعلمة في سبعينيات القرن الماضي، وظهر حراك مناهض لحكم المرحوم المختار ولد داداه “كادحين، ناصريين، بعثيين ، حركة الحر ، اسلاميين ….” من الحركات المطالبة بالديمقراطية وحرية التعبير والمساواة ، لكن القاسم المشترك بين كل هذه الحركات أنه ليس من بينها من يحمل “مشروعا وطنيا شاملا” و استراتيجي قابل للاستمرارية.

وبعد استيلاء الجيش على السلطة، لم يراجع تلك الاختلالات بل حكم بأغلب رجالات تلك الحركات التى كانت مناوئة لحكم المختار ، حيث تم تبنيهم من طرف الانظمة المتعاقبة كبديل لحزب الشعب وكذراع سياسي لأحكامهم .

وهكذا تواصل عمل الأنظمة المتعاقبة بعد الانقلاب على نهج الحكم الذي كان قائما ، بدلا من مواجهة التحديات التي تحدثنا عنها .

وفي مطلع التسعينيات تبنت موريتانيًا التحول الديمقراطي بعد توصيات مؤتمر لابوول للقمة السادس عشر (فرنسا – افريقيا) والذي ربطت فيه فرنسا دعم تنمية الدول الافريقية بشرط إجراء تحول ديمقراطي في أنظمتها .

وإذا كان عمل موريتانيا بمضمون توصية تحقيق الديمقراطية قد تحقق الغرض منه على المستوى الخارجي ، فلم يتحقق على المستوى الداخلي بالرغم من أهمية تطبيق هذا المشروع البالغ الأهمية الذى اصطدم بهذا الواقع الذي كان يجب الوقوف عليه بالرجوع لتلك الاختلالات البنيوية الكبرى التي تم عليها التأسيس وعدم التحضير الجيّد على المستوى السياسي من اجل خلق مناخ اجتماعي مهيأ لتقبل مشروع في هذا الحجم من الاهمية خاصة ان له تأثير في المستقبل  على جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وتمر السنين وتتعاقب الأنظمة، إلى أن كشف النظام الحالي واقع البلد الحقيقي، دون رتوش وبشجاعة بالغة الأهمية إن تم فهمها على النحو الصحيح.

فبعد سنتين من العمل الجاد في ظروف غير عادية نتيجة وباء كوفيد 19 وأزمة اقتصادية دولية تم انجاز العديد من المشاريع الحيوية على المستوي الاقتصادي و الاجتماعي والسياسي.

ولم تكن صراحة الرجل ومكاشفة شعبه تقل اهمية عن تلك الانجازات حيث كان يملك من الشجاعة والشفافية ما يجعله يكاشف شعبه بالواقع الحقيقي للبلد٫ عبر وسائل الإعلام وخلال لقاءاته بالجاليات في الخارج، وقبل ذلك خطاب عيد الاستقلال 28 نوفمبر 2021 وخطاب وادان التاريخي و مصارحته لدفعة خريجي الادارة ، واللقاء المهم مع رجال الأعمال ، وما ترتب عليه من مكاشفة مع القطاع الخاص وتحميله مسؤولية القيام بدوره في ظل التوجهات الجديدة للدولة ، لأول مرة وبأسلوب دبلوماسي تطبعه الجدية و المصلحة العليا للبلد٫ و فتح المجال أمام جميع الفاعلين والمهتمين بالشأن العام من أجل مواجهة حقيقة بلدهم ومراجعتها٫ انطلاقا من الواقع المعاش وأخذهم بعين الاعتبار لتلك الاختلالات البنيوية الكبرى الناتجة عن تأسيس البلد أصلا، بعيدا عن الأوهام والدعاية والمزايدات .

وانطلاقا من كلما سبق وبناءً على إرادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الرّامية إلى القيام بالإصلاحات الهيكلية الكبرى للبلد و التي بدأ بها منذ تسلمه للسلطة، بات لزاما علينا كنخبة وأطر وابناء بررة لهذا الوطن الغالي، خلق تيار إصلاحي قوي ومقتنع بالإصلاح وبالدولة والوطن، يتقاسم مع رئيس الجمهورية نفس الأهداف ونفس الإرادة للنهوض ببلدنا وإدماجه في قائمة الدول المتطورة وذلك حفاظا على وحدته الوطنية و مستقبله وانقاذه على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي الخلاصة ومن خلال هذه الاستنتاجات التاريخية و  الموضوعية نرى ان العيب ليس في الاعتراف بالواقع والتصدي له با ارادة وشجاعة بل يكمن في الخوف من مواجهة التحديات الكبرى التي شكلت عرقلة حقيقة منذ استقلالنا حتى اليوم.

ومن هنا اوجه نداءًا الى كافة القوى الحية في البلد بدون استثناء لوقفة رجل واحد، للنهوض ببلدنا بعيدا عما يدور منذ عشرات السنين من التجاذبات السياسية و التي اثبتت فشلها وحالت بيننا وبين التنمية الاقتصادية التي يجب ان نركز عليها من اجل انقاذ بلدنا الغالي . 

 

 

لا توجد تعليقات

اترك تعليقا

لا تقلق ! لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها (*).

مواقع التواصل

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية